تعد الرقابة الإدارية من أهم الركائز التي تقوم عليها مؤسسات الدولة الحديثة لما تقوم به من دور محوري في ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، ومكافحة الفساد الإداري والمالي، بما يضمن تحقيق الصالح العام وحسن سير الجهاز التنفيذي غير أن التطورات المتسارعة التي يشهدها العمل الإداري، وخاصة في ظل التحول الرقمي واستخدام الأنظمة الحديثة، أنتجت تحديات جديدة تطرح تساؤلات حول مدى كفاية الآليات التقليدية للرقابة.
ومن ثم، تبرز إشكالية جوهرية مفادها:
إلى أي مدى تستطيع الرقابة الإدارية، في صورتها التقليدية، مواكبة التحولات الرقمية وتعزيز دورها في حماية المال العام وضمان النزاهة داخل المؤسسات؟
أولًا: مفهوم الرقابة الإدارية وطبيعتها
يقصد بالرقابة الإدارية مجموعة من الإجراءات والوسائل القانونية والتنظيمية التي تهدف إلى متابعة أداء الجهاز التنفيذي، والتحقق من مدى التزامها بالتشريعات النافذة، والكشف عن أوجه القصور والانحرافات الإدارية، والعمل على معالجتها والمسائلة وفقا للقانون.
ولا تقتصر الرقابة الإدارية على دورها التقليدي في اكتشاف المخالفات، بل تمتد لتشمل دورا وقائيا يسعى إلى منع وقوع المخالفات والانحرافات قبل حدوثها، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي ويحد من الهدر في المال العام والموارد العامة.
ثانيًا: أهمية الرقابة الإدارية في حماية المال العام
تعد حماية المال العام من أبرز الأهداف التي تسعى الرقابة الإدارية إلى تحقيقها، وينعكس ذلك من خلال:
• تمكين الجهات الرقابية من الكشف عن المخالفات، بما يحد من تفاقمها.
• ضمان الاستخدام الأمثل للمال العام وفقا لمبادئ الكفاءة والفعالية.
• تعزيز مبدأ المساءلة والمحاسبة داخل الأجهزة الإدارية.
• الحد من مظاهر الفساد المالي والإداري وذلك من خلال المتابعة المستمرة للرقابة السابقة واللاحقة.
ثالثًا: دور هيئة الرقابة الإدارية في تعزيز النزاهة:
يتولى عضو هيئة الرقابة الإدارية وفقا لقانون إنشائها رقم (20) لسنة 2013م بدور محوري في تحقيق أهداف الرقابة، من خلال مجموعة من المهام الأساسية، من أبرزها:
• إجراء التحريات اللازمة والتفتيش الدوري على كافة الجهات الخاضعة لرقابتها للتأكد من ان أدائها للمهام المناطة بها يتم وفقا للتشريعات النافذة، ومن أن العاملين بها يؤدون أعمالهم دون وساطة أو محسوبية او استغلال لوظائفهم.
• متابعة الأداء بتلك الجهات ومكافحة التسيب الإداري وإجراء التحريات اللازمة لكشف أي ممارسة إدارية جائزة ضد أي من العاملين خلافا للقوانين واللوائح.
• الكشف عن الجرائم والمخالفات الإدارية التي تقع من العاملين بالجهات الخاضعة لرقابة الهيئة أثناء مباشرتهم لأعمالهم أو بسببها وإتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط تلك الجرائم والمخالفات.
• الكشف عن الجرائم والمخالفات التي تقع من غير المذكورين في الفقرة السابقة إذا استهدفت المساس بأداء واجبات الوظيفة أو الخدمة العامة أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة واتخاذ الاجراءات اللازمة لضبط تلك الجرائم والمخالفات.
• إجراء التحريات اللازمة لاستقصاء أسباب القصور في العمل في شتى المجالات التي تؤديها الدولة والكشف عن ما يشوب النظم المعمول بها من عيوب يكون من شانها عرقلة حسن سير العمل في مرافق الدولة، وإقتراح الرسائل الكفيلة بتلافي أوجه القصور.
• بحث ودراسة ما تتلقاه الهيئة من شكاوى وبلاغات الأفراد ومنظمات المجتمع المدني أو من أي جهة في الدولة والتصرف فيها في ضوء النتائج التي يسفر عنها البحث والدراسة.
• دراسة وبحث ما يرد في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة من شكاوى وتحقيقات واستطلاعات إعلامية وأراء ومقترحات تتعلق بسير العمل في الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة.
• دراسة القوانين واللوائح والقرارات النافذة والأنظمة المعمول بها للتأكد من كفايتها للأغراض التي شرعت من أجلها وإقتراح التعديلات المؤدية إلى تلافي أوجه النقص فيها، وكذلك التحري عن أسباب القصور أو التراخي أوالإنحراف في تطبيقات وإقتراح الوسائل الكفيلة لتداركها وتلافيها.
• إبداء الرأي فيمن يرشح لشغل وظيفة عليا بناء على طلب من الجهات المختصة.
• ولا يقتصر هذا الدور على الجانب الإجرائي، بل يمتد ليشمل ترسيخ قيم النزاهة والانضباط الوظيفي، بما يعزز ثقة المجتمع في الأجهزة العامة.
رابعا: التحديات التي تواجه العمل الرقابي في ظل التحول الرقمي
رغم الأهمية المتزايدة للرقابة الإدارية، إلا أنها تواجه جملة من التحديات، التي ازدادت حدتها مع التطور التكنولوجي، من أبرزها:
• ضعف الوعي الإداري والرقابي لدى بعض العاملين في الجهات العامة.
• مقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات، خاصة فيما يتعلق بتبني الأنظمة الحديثة.
• تطور أساليب الفساد لتأخذ طابعا رقميا وبالتالي يصعب كشفه بالوسائل التقليدية.
ومن واقع التطور الحديث، أصبحت بعض القرارات الإدارية تعتمد على أنظمة رقمية متقدمة، مما يفرض تحديا إضافيا يتمثل في صعوبة تتبع الية اتخاذ القرار، وهو ما قد يحد من فعالية الرقابة التقليدية.
خامسًا: سبل تطوير العمل الرقابي وتعزيز فاعليته
لمواجهة هذه التحديات، أصبح من الضروري العمل على تطوير المنظومة الرقابية من خلال:
• دعم برامج التدريب والتأهيل المستمر لأعضاء الأجهزة الرقابية، خاصة في المجال التقني.
• استخدام التقنيات الحديثة في أعمال الرقابة، بما يعزز من دقتها وفعاليتها.
• إنشاء وحدات رقابة متخصصة في المجال الرقمي داخل الأجهزة الرقابية.
• تعزيز التكامل والتعاون بين الأجهزة الرقابية والجهات التنفيذية.
• نشر الثقافة القانونية والرقابية داخل المؤسسات، بما يحد من المخالفات قبل وقوعها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب الإقليمية، حيث أتيحت لي فرصة تمثيل هيئة الرقابة الإدارية بدولة ليبيا، وذلك بناء على تكليف صادر من قبل السيد/رئيس هيئة الرقابة الإدارية، للمشاركة في البرنامج التدريبي المتخصص في الجوانب القانونية والتقنية للذكاء الاصطناعي، والموجه لكوادر هيئة الرقابة الإدارية بدولة ليبيا، والمنعقد بالأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد بجمهورية مصر العربية خلال الفترة من 12/10/2025م الى 16/10/2025م.
وقد جاءت هذه المشاركة في سياق تعزيز قدرات العمل الرقابي ومواكبة التطورات التقنية الحديثة، حيث ركز البرنامج التدريبي على ضرورة تطوير أدوات الرقابة الإدارية لمواكبة التحول الرقمي، وتعزيز التكامل بين الجوانب القانونية والتقنية، بما يحقق رقابة أكثر فاعلية واستجابة للتحديات الحديثة، ويسهم في دعم كفاءة الأداء الرقابي على المستوى.
خاتمة:
إن حماية المال العام ليست مجرد التزام قانوني، بل مسؤولية وطنية تتطلب يقظة مستمرة وأداء رقابيا نزيها وفعالا.
وفي ظل التحديات المتزايدة، يصبح تطوير الرقابة الإدارية ضرورة لا تحتمل التأجيل، حتى تظل قادرة على أداء دورها كصمام أمان يحفظ موارد الدولة ويعزز ثقة المجتمع في مؤسساته.
إضافة تعليق جديد