إن للإصلاح خطوات تسبقه بوصفه غاية وهدفاً ، فهو غاية اقتضت أن يسبقها كلٌ من  : التوجيه ، والإرشاد ، والنقد . والعلاقة بين أطراف هذا الثالوث هي علاقة ارتباطية توسُّلية ؛ فهو-أي الإصلاح- مرتبط بها ضرورةً ، كما أنها تعد الوسائل الطبيعية والمباشرة الوصول إلى حالة الإصلاح التي هي غاية في حد ذاتها.
    نحن في حاجة إلى إشاعة الثقافة النقدية ، بمعنى الوصول لحالة تعايش عفوي مع النقد بحيث نكون ناقدين ، وقابلين للنقد ، ومتسامحين مع النقد ، ومصدر النقد ، مع وعي بأهمية وجدوى ذاك النقد ، من حيث هو مظهر من مظاهر الحيوية العقلية ، وشرط من شرائط الممارسة الفكرية .
   في عالم النقد المثالي والأنموذجي تنتفي حواجز التمايز ؛ فلا فرق بين تلميذ وأستاذ ، أو طالب علم صغير  ، وعالم  كبير . فالشرط الأساس أن يكون النقد هادفاً مجرداً عن الأوطار، ممحَّضاً عن الأغراض . ثم أن يكون الناقد بصيراً بما ينقد ، عليماً بسياقات نقده ، ومآلات كلامه ؛ حتى لا يكـون ممن يهْرفُ بما لا يعرف .
     إن النقد في واقعه مجرد عملية وصفية تتجه تجاه هدفٍ ما ؛ فتكشف عواره ، أو تجلي محاسنه ، ، أو تنبه إلى مناقصه ، أو تستحسن مكامله ، أو تحذر  من معايبه ، أو ترشد إلى مغانمه . كل هاته المهام والإجراءات هي ثمرات لما أسميناه بالعملية الوصفية  للنقد .
    وأنا هنا أوكّد هذا ؛ رامياً إلى إزالة ذلك الفهم المغلوط والمشبوه للنقد ، حيث تختزل وظيفته في الإعابة والانتقاص ، والتركيز على المثالب والسيئات ، دون الفضائل و الحسنات .
   لاجرم أن من المؤسفات اقتران هذا الفهم العائل مع ما نراه في ساحاتنا الآكاديمية ، من تسطيح مخجل لجدوى وأهمية  العملية النقدية ، ضمن سياقات خاوية  ، وطروح  واهية ،  يُهرقها كثير من الأساتيذ الجامعيين في آذان طلابهم ، عن النقد ومفهومه ومجالاته، سواء النقد الأدبي ، أو النقد الفني ، أو النقد الفكري ؛ فيخرج الطالب حافظاً لجملة من التعاريف المتحجرة ، والمثالات المتصلبة ، والمعاني المشوشة، في معزل عن التطبيقات المأمولة، والتجسّدات المبتغاة. 
  كل هذا يحدث-كما أرى وترى - في أكثر الجامعات والمعاهد العليا التي لم تزل معتمدة على منهج التلقين والاجترار ، في تزامن وتساوق  مع  ما تمور به الساحة العلمية والفكرية من نظريات محدثة ،وآراء طارئة ، وطروح طارفة ، أسهمت ولا تزال في إمداد العقل بما يحفزه لاجتراح اجتهادات يحتاجها الإنسان ، وتغتني بها حياته العقلية، وحديقته الفكرية.
   لا أتردد هنا عن الجزم بأن الوصول إلى حالة الممارسة النقدية المثمرة ، أمر غير متاح لنا إلا بعد تحقيقنا لتمثل ناضج ، وتصور واضح  لمفهوم النقد ، وأسسه وغاياته ، وجدواه، وعلاقته بالشخصية الفكرية للإنسان ، ثم علاقته بشخصيته النفسية ، على نحو يحتاجه أمثالنا ممن خرج عن القرن العشرين تاركاً فيه ركاماًَ باذخاً من التجارب النقدية، التي كان أكثرها حائداً عن سداد المنهج ، ونائياً عن صواب الـمُنْتج .