لم يعد المشهد الإجرامي في العصر الرقمي محكومًا بالقوالب التقليدية التي ارتبطت طويلاً بالمكان المادي والأداة المحسوسة، بل أعاد التطور المتسارع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات صياغة مفهوم الجريمة ذاته، ناقلًا إياها إلى فضاء افتراضي تتداخل فيه المصالح القانونية مع بنى تقنية معقدة، لتظهر الجريمة المعلوماتية بوصفها نمطًا إجراميًا حديثًا يتميز بخصوصية بنيوية وآثار عميقة تتجاوز حدود التصور الكلاسيكي. وقد استشعر المشرّع الليبي خطورة هذا التحول، فبادر إلى إصدار القانون رقم (5 لسنة 2022م) بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، واضعًا إطارًا تشريعيًا يستهدف حماية الفضاء الرقمي وتعزيز الأمن المعلوماتي، غير أنه – وعلى الرغم من أهميته – لم يُحط بمفهوم الجريمة المعلوماتية تعريفًا جامعًا مانعًا، مكتفيًا بربطها باستخدام الأنظمة المعلوماتية، وهو ما فتح الباب لاجتهادات فقهية متباينة، بين اتجاه يضيق من نطاقها فيحصرها في الجرائم التي لا تقوم إلا في البيئة الرقمية، وآخر يتوسع ليشمل كل سلوك إجرامي تُستخدم فيه التقنية كوسيلة أو محل للاعتداء، في حين ذهبت بعض التعريفات إلى اعتبارها كل سلوك غير مشروع يتعلق بالمعلومات، وهو ما يعكس صعوبة تأطير هذا المفهوم في قالب تقليدي جامد. وتنبع أهمية البحث في هذه الظاهرة من زاويتين متكاملتين؛ أولاهما نظرية تتمثل في اختبار مدى قدرة القواعد الجنائية التقليدية على استيعاب هذا التحول الرقمي، وثانيتهما عملية تتجسد في حماية مصالح جوهرية باتت مهددة، كأمن المعلومات، وسلامة الاقتصاد الوطني، والثقة في المعاملات الإلكترونية، وهي اعتبارات أولاها المشرّع عناية خاصة. ويزداد الأمر إلحاحًا في ظل تنامي هذه الجرائم وتعدد صورها، من اختراق الأنظمة إلى الاحتيال الإلكتروني والاعتداء على الهوية الرقمية، بما يكشف عن قصور النصوص التقليدية عن الإحاطة بها، ويبرر الحاجة إلى معالجة تشريعية متخصصة. وفي هذا الإطار، تثار إشكالية جوهرية مفادها: إلى أي مدى تتمتع الجريمة المعلوماتية بخصوصية موضوعية تبرر الخروج عن القواعد العامة في القانون الجنائي؟ وهو تساؤل يتفرع عنه بحث طبيعة الركن المادي، ومحل الحماية، والسلوك الإجرامي في البيئة الرقمية، ومدى كفاية النصوص القائمة لمواكبة التطور التقني. ومن خلال منهج تحليلي وصفي مقارن، يتبين أن الركن المادي يمثل حجر الزاوية في هذه الخصوصية؛ إذ لم يعد الفعل الإجرامي نشاطًا ماديًا ملموسًا، بل تحول إلى سلوك تقني غير مرئي يقوم على التعامل مع البيانات والأنظمة المعلوماتية، في بيئة تتسم بالسرعة والخفاء، حيث تُرتكب الأفعال عبر نبضات إلكترونية لا تُدرك بالحس، ودون أن تخلّف آثارًا مادية تقليدية، الأمر الذي يفضي إلى صعوبة الإثبات وتلاشي الدليل الجنائي في صورته الكلاسيكية، وهو ما تنبه إليه المشرّع حين جرم إتلاف الأدلة الرقمية والتلاعب بها، إدراكًا لهشاشتها وسهولة العبث بها. كما أن هذه الجريمة لا تتطلب قوة مادية، بل تقوم على مهارة تقنية وقدرة على النفاذ غير المشروع والتلاعب بالبيانات، بل وقد تُرتكب عن بُعد دون اتصال مباشر بمسرحها، وهو ما يكرّس طابعها اللامادي. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تمتد خصوصيتها إلى بعدها اللا إقليمي؛ إذ تجاوزت الجريمة المعلوماتية حدود الدولة، وأصبحت عابرة للقارات، بما يثير إشكاليات معقدة تتعلق بالاختصاص القضائي وتنازع القوانين، بين اتجاه يأخذ بمكان تحقق النتيجة (نظرية التقبل) وآخر بمكان صدور الفعل (نظرية الإصدار)، وكل منهما لا يخلو من مثالب، الأمر الذي دفع الجهود الدولية إلى البحث عن أطر موحدة، تُوّجت باتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم السيبرانية، فضلًا عن المبادرات العربية التي سعت إلى توحيد المعايير التشريعية. وعلى هذا النحو، تكشف الجريمة المعلوماتية عن تحول نوعي في الفكر الجنائي، يفرض إعادة النظر في كثير من المسلمات التقليدية، سواء من حيث مفهوم الفعل الإجرامي أو نطاق الاختصاص أو وسائل الإثبات، بما يقتضي تطويرًا مستمرًا للنصوص القانونية وآليات تطبيقها، حتى تظل قادرة على ملاحقة جريمة لم تعد تُرتكب في الواقع المادي، بل في عالم لا يُرى، وإن كانت آثاره أشد خطرًا وأوسع امتدادًا.
خصوصية المجرم المعلوماتي: بين الذكاء التقني وتحوّل المسؤولية الجنائية بقلم: المستشار د. مسعود محمد خليفة شلندي
إضافة تعليق جديد