الأصل أن الحقوق تمنح لحماية المصالح غير أن الممارسة العملية تكشف أن ذات الحق قد يتحول الى وسيلة للإضرار بالغير، فهل يبقى الحق مشروعاً في كل الأحوال؟ أم أن القانون يتدخل لرسم حدوده!
وعلى ضوء ذلك، تتمثل الإشكالية في:
إلى أي مدى يعتبر استعمال الحق مشروعاً وفي أي مرحلة ينقلب إلى تعسف يرتب المسؤولية القانونية على صاحبه؟
أولاً: الاستعمال المشروع للحق
تنص المادة الرابعة من القانون المدني الليبي على أن من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك الضرر.
يُستفاد من نص المادة أن الأصل في استعمال الحق هو المشروعية، بحيث لا يسأل الشخص عن الضرر الناتج عن استعماله لحقه طالما استعمله وفق الحدود التي رسمها القانون.
غير أن الإقرار بمشروعية استعمال الحق لا يعني اطلاقه من كل قيد، إذ قد يقتضي الواقع العملي وضع حدود لهذا الاستعمال كلما انحرف عن غايته الاجتماعية أو القانونية، ومن ثم تدخل المشرع لضبط هذه الحرية من خلال تحديد حالات التعسف في استعمال الحق، تحقيقاً للتوازن بين مصلحة صاحب الحق ومصلحة الغير.
ثانياً: حالات التعسف في استعمال الحق
نجد أن المشرع من خلال نص المادة الخامسة من القانون المدني الليبي حدد الحالات التي يكون فيها استعمال الحق غير مشروع، وهي:
أ- إذ لم يقصد به سوى الإضرار بالغير
مثال ذلك بناء الشخص لحائط على أرضه بغرض حجب ضوء الشمس عن جاره.
ب- إذا كانت المصالح التي يرمي الى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
مثال ذلك شخص يفتح نافذة تطل مباشرة على منزل جاره دون حاجة حقيقية، مما يضر بخصوصيته، رغم أن المصلحة التي يسعى لها بسيطة.
ج- إذا كانت المصالح التي يرمي الى تحقيقها غير مشروعة.
مثال ذلك كأن يقوم المالك بتأجير منزله وهو يعلم أن المستأجر سيستعمله في نشاط غير مشروع (كبيع الخمر)، فيكون بذلك قد استعمل حقه لتحقيق مصلحة غير مشروعة.
ويلاحظ أن المشرع الليبي قد نظم حالات التعسف في استعمال الحق في المادة (5) من القانون المدني ضمن أحكام الباب التمهيدي، حيث اقتصر على بيان حالات الاستعمال غير المشروع دون النص صراحة على جزائه، إلا أن هذا الجزاء يُستفاد من أحكام المسؤولية التقصيرية، لا سيما ما نصت عليه المادة (166) من القانون المدني، والتي تقرر أن، كل خطأ سبب ضرر للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض.
ولا يقتصر تنظيم التعسف في استعمال الحق على النصوص القانونية، بل يمتد إلى أسس شرعية تضبط ممارسة الحقوق وتمنع الإضرار بالغير.
ثالثاً: الأساس الشرعي للتعسف في استعمال الحق
يستند الأساس الشرعي لضوابط استعمال الحق في الشريعة الإسلامية إلى نصوص شرعية وقواعد فقهية عامة تهدف إلى تحقيق المصلحة ودفع الضرر، ومن أبرزها قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تُعد أصلًا في منع استعمال الحق على وجه يُلحق الأذى بالغير دون مبرر مشروع.
كما تؤكد الشريعة الإسلامية أن استعمال الحق لا يكون مشروعًا إلا إذا كان متوافقًا مع مقاصدها في تحقيق العدالة ومنع التعسف، بحيث لا ينحرف عن الغاية التي شُرع من أجلها.
وفي هذا السياق، يقرر الدكتور وهبة الزحيلي أن: “الحق في الفقه الإسلامي مقيد بعدم الإضرار بالغير، وبأن يكون الاستعمال موافقًا لمقاصد الشريعة التي تقوم على تحقيق المصلحة ورفع الحرج ودفع الضرر."
الخاتمة
يتبين من خلال هذا البحث أن استعمال الحق ليس مطلقًا، بل تحكمه ضوابط قانونية وشرعية تهدف إلى منع التعسف وتحقيق التوازن بين حرية الفرد وحماية حقوق الغير، وقد نظم المشرع الليبي هذه الفكرة في القانون المدني وربطها بأحكام المسؤولية المدنية. كما يظهر أن هذا التنظيم يجد أساسه في مبادئ الشريعة الإسلامية التي تقرر منع الإضرار بالغير.
النتائج
1. أن الأصل في استعمال الحق هو المشروعية، ولا يُسأل الشخص عن الضرر إلا إذا انحرف عن هذا الأصل.
2. أن المشرع الليبي حدد صور التعسف في المادة (5) كضوابط استرشادية لتقدير الانحراف في استعمال الحق.
3. أن التعسف في استعمال الحق يرتب مسؤولية مدنية وفق أحكام المادة (166) من القانون المدني باعتباره خطأً موجبًا للتعويض.
4. أن فكرة التعسف تستند إلى قواعد شرعية عامة، وعلى رأسها قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
ثانيًا: التوصيات
1. وضوح النصوص القانونية المتعلقة بالتعسف في استعمال الحق لتسهيل التطبيق القضائي.
2. ربط أوضح بين نص المادة (5) وأحكام المسؤولية التقصيرية لتحقيق اتساق تشريعي أفضل.
3. دعم القاضي بمعايير أكثر تحديدًا عند تقدير التعسف للحد من التوسع في السلطة التقديرية.
4. تعزيز الاستفادة من المبادئ الشرعية في تفسير وتطبيق قواعد استعمال الحق
إضافة تعليق جديد