المقدمة:
      من المتفق عليه أن قواعد إعمال المسؤولية الدولية نشأت وتطورت لتنظيم العلاقة بين الدول، فالمصلحة الدولية تقتضى وجود قواعد قانونية يتم الاحتكام إليها عند وجود أي خرق لقاعدة من قواعد القانون الدولي العام، وبالتالي يترتب عليه قيام المسؤولية على الدولة التي قامت بخرق القاعدة الدولية، ومن ثم تطبيق لقواعد المسؤولية الدولية، فقد ناقشت لجنة القانون الدولي أثناء بحثها في مسؤولية الدول لموضوع الامتثال للقواعد الآمرة باعتبار ان انتهاكها يشكل مخالفة جسيمة لقواعد القانون الدولي، ونصت المادة 26 من تقرير لجنة القانون الدولي في الفصل الخاص بالظروف النافية لعدم المشروعية، على أنه: " ليس في الفصل الخامس ما ينفي صفة عدم المشروعية عن أي فعل من أفعال الدولة لا يكون متفقا مع التزام ناشئ بمقتضى قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام ".
وإن الإشكالية في هذا الموضوع تتمثل في مدى الجواز للدول مخالفة قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام من عدمه؟ وهل يجوز للدول التذرع بأي من الظروف النافية لعدم المشروعية إذا كان يخل بقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام؟
وللإجابة على هذه الإشكالية، يمكننا تقسيم المقال على النحو الآتي:
أولاً- وجود التزام دولي يتعارض مع القواعد الآمرة في القانون الدولي العام:
تنص المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969م " تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي، لأغراض هذه الاتفاقية يقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي القاعدة المقبولة والمعترف بها من  قبل لمجتمع ككل على أنها القاعدة التي لا يجوز الاخلال بها والتي لا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون لها ذات الطابع "، فقد وضحت المادة أن المعاهدة تكون باطلة إذا خالفت قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، وبينت أنه يجب أن تكون القاعدة الآمرة مقبولة دوليا، وتستوفي جميع المعايير اللازمة للاعتراف بها كقاعدة آمرة،  ويشترط كذلك أن يعترف لها المجتمع الدولي ككل بالطابع الآمر لتلك القواعد، ولا يمكن تعديل القاعدة الآمرة إلا بقاعدة آمرة جديدة لها نفس الطابع، ولم يُعترف حتى الآن إلا بعدد قليل من القواعد الآمرة بوصفها هذا وتشمل قواعد حظر كل من العدوان والإبادة الجماعية والرق والتمييز العنصري وغيرها، ونصت المادة 64 أيضاً من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969م على أنه: " إذا ظهرت قاعدة آمرة جديدة من القواعد العامة للقانون الدولي فإن أية معاهدة نافذة تتعارض معها تصبح باطلة وتنقضي"، فقد تناولت المادة حالة نشوء قاعدة آمرة جديدة تتعارض مع معاهدة نافذة تعتبر المعاهدة باطلة وتنقضي حتى لو تعارضت القاعدة الآمرة مع بعض أحكام المعاهدة، وهنا من التعسف اعتبار المعاهدة ككل باطلة لمجرد أنه لا يمكن تطبيقها في حالة معينة، ولكن المادة 44 الفقرة 5 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، حسمت هذه المسألة حيث نصت: " أنه لا يجوز الفصل بين نصوص المعاهدة في الأحكام الواردة في المادة 53 من الاتفاقية نفسها"، و لكن لو حدث خرق القاعدة الآمرة في بعض نصوص المعاهدة، فإن القواعد الآمرة للقانون الدولي العام تولد مبادئ تفسيرية قوية ستحل أغلب أوجه التعارض الظاهرة، وإن لجنة القانون الدولي لم تقترح أية مواد بشأن الامتثال لقاعدة آمرة عدا المادتين 53 و 64 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969م.
ثانياً- الاحتجاج بالظروف النافية لعدم المشروعية لخرق قاعدة آمرة في القانون الدولي العام:
في الباب الأول من الفصل الخامس من تقرير لجنة القانون الدولي عن أعمال دورتها الثالثة والخمسين الخاصة بمسؤولية الدول ، بينت ستة ظروف نافية لعدم مشروعية فعل الدولة الغير مشروع والظروف هي : الموافقة، والدفاع عن النفس، والتدابير المضادة، والقوة القاهرة، وحالة الشدة، والضرورة، وهذه الظروف لا تبرر أو تبيح للدولة خرق التزاماتها بموجب قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، وقد أدرج هذا المبدأ في مادة مستقلة حيث يتماشى على نحو أكبر للطابع المهيمن للقواعد الآمرة وهكذا تنص المادة 26 من تقرير اللجنة على أنه: " ليس في هذا الفصل الخامس ما ينفي صفة عدم المشروعية عن أي فعل من أفعال الدولة لا يكون متفقا مع التزام ناشئ بمقتضى قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام "، فعلى سبيل المثال، لا يجوز للدولة أن تتخذ تدابير مضادة بمخالفة قاعدة آمرة في القانون الدولي العام، فارتكاب جريمة إبادة جماعية مثلا، لا يبرر ارتكاب جريمة إبادة جماعية مضادة، وهذا ما أكدته المادة 50 الفقرة 1 (د) من تقرير اللجنة حيث تنص على: "لا تمس التدابير المضادة الالتزامات الأخرى القائمة بموجب قواعد قطعية من قواعد القانون الدولي العام"، وكذلك لا يمكن الدفع بالضرورة أن يبرر الاخلال بقاعدة آمرة، ولا تتناول المادة 26 من تقرير اللجنة مسألة معرفة ما إذا كان حدث خرق في أية حالة بعينها، وهذا الأمر وثيق الصلة على نحو خاص بمواد معينة من الفصل الخامس، فلا يجوز لدولة أن تعفي دولة أخرى من التزام التقيد بقاعدة آمرة، مثلا فيما يتعلق بالإبادة الجماعية أو التعذيب، سواء بواسطة معاهدة أو بطريقة أخرى كتنازل الدولة المضرورة عن حقها بعدم إقامة جريمة الإبادة الجماعية من الدول الأخرى عليها، فإن مثل هذا الخرق المخالف للقاعدة الآمرة يمس مصلحة المجتمع الدولي ككل ولا يؤثر موافقة الدولة المضرورة بشي، ولكن قد تكون موافقة  الدولة وثيقة الصلة بالموضوع أي ضرورية عند تطبيق القاعدة الآمرة، فعلى سبيل المثال يجوز للدولة أن توافق حسب الأصول على وجود عسكري أجنبي في أراضيها لغرض مشروع، وإن عبارة حسب الأصول تعني صدور الموافقة من الموظف المخول له القيام بذلك نيابة عن الدولة وهي مسألة تعالجها قواعد القانون الدولي ولا تعني القواعد الثانوية لمسؤولية الدول.
الخاتمة:
خلاصة القول إن ما جاء في نص المادة 26 من الفصل الخامس من تقرير لجنة القانون الدولي، هو في الحقيقة تأكيداً على الطابع الإجرائي للقواعد الآمرة والمتمثل في سمو القواعد الآمرة في القانون الدولي عن القواعد الثانوية لمسؤولية الدول أو أي التزام دولي آخر كما لا يجوز تبني الظروف النافية لعدم المشروعية كذريعة لخرق قاعدة آمرة في القانون الدولي العام.
قائمة المصادر:
1_ اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969م.
2_ تقرير لجنة القانون الدولي عن أعمال دورتها الثالثة والخمسين.
3_ حولية لجنة القانون الدولي، المجلد الثاني، الجزء الثاني، سنة 2001م.